لقد كان لظهور كتاب المختصر في الجبر والمقابلة لمحمد بن موسى الخوارزمي في بغداد حوالي عام 820م تأثير كبير في تطور العلوم الرياضية. وبقي هذا الكتاب طوال الفترة الممتدة من أوائل القرن التاسع حتى القرن السادس عشر مثالاً وحجة في هذا العلم، له فيه ما لأصول إقليدس من المنزلة عند المهندسين ولما لبطليموس عند علماء الهيئة.
ويذكر ابن النديم في كتابه الفهرست لائحة طويلة من العلماء من معاصري الخوارزمي وخلفائه شرحوا كتاب الجبر والمقابلة، وتابعوا البحث في مواضيعه. نذكر من هؤلاء شجاع بن أسلم، المتوفى حوالي عام 951م، الذي يقول في مقدمة كتابه المعروف كتاب الجبر والمقابلة: "وكنت كثير النظر في كتب العلماء بالحساب، والبحث عن أقاويلهم، والتفتيش لما رسموا في كتبهم، فرأيت كتاب محمد بن موسى الخوارزمي، المعروف بالجبر والمقابلة، أصحها أصلاً وأصدقها قياساً. وكان مما يجب علينا معشر الدارسين، من التقدمة والإقرار له بالمعرفة والفضل، إذ كان السابق إلى كتاب الجبر والمقابلة والمبتدئ له والمخترع لما فيه من الأصول".
تأتي هذه الشهادة بأسبقية الخوارزمي في علم الجبر، وبأنه "المبتدئ له والمخترع لما فيه من الأصول" لتؤكد ما توصلت إليه الأبحاث المعاصرة من أنَّ حساب الجبر والمقابلة لم يكن علماً قبل الخوارزمي، ولكنه كان عبارة عن مسائل متفرقة هنا وهناك، حتى أتى هذا العالم الفذّ فصاغ منها علماً متكاملاً، له أصوله وألفاظه وطرائقه وبراهينه؛ فكان كتابه بين كتب الحساب أصحّها أصلاً وأصدقها قياساً.
هو عبد الله بن محمد بن موسى الخوارزمي، أصله من خوارزم بأوزبكستان، لا يعرف الكثير عن حياته سوى أنه كان يعيش في بغداد في عهد الخليفة المأمون حوالي 813 إلى 833م وكان مشرفا على مكتبة المأمون وقد خلف العديد من الكتب منها: كتابا الزيج الأول والثاني، كتاب الرخامة، كتاب عمل الإسطرلاب، كتاب الجمع والتفريق، كتاب الجبر والمقابلة. أما أشهر كتبه وأهمها فهو كتاب: الجبر والمقابلة وقد كان الخوارزمي مهتما بعلم الفلك أيضا وشغل عضوية في اللجنة التي كلفت بقياس درجة من درجات محيط الأرض غير أن الخوارزمي حاز على شهرته الأساسية في مجال الرياضيات وفي الجبر بصفة خاصة.
استفاد الخوارزمي ممن سبقوه وخصوصا من الحضارة الهندية، فتناول الأرقام والصفر من عندهم، واستخدمها في المسائل الرياضية والعمليات الحسابية. وقبله استخدم العرب تلك الارقام الهندية لكن لخوارزمي أعلى من قيمتها حين استخدمها في المسائل الحسابية، لأن الهنود كانوا يستخدمون الأرقام كرموز فردة لا قيمة لها وزيادة على ذلك استخدم الخوارزمي الرموز إلى جانب الأرقام منسوقة في مراتبها في المعادلة وجعل المعادلة حدودا إيجابية واخرى سلبية. كما دون العملية الحسابية تدوينا أبرز فيه ترتيب الأعداد في مراتب (خانات) حتى تبرز الأعداد وتصبح العمليات من جمع وطرح وضرب وقسمة ممكنة وسهلة. وقد تنبه الخوارزمي إلى الحالات التي يستحيل فيها إيجاد قيمة حقيقية للمجهول، فقال إن العملية تكون في هذه الحالة مستحيلة، وقد بقية تسميتها كذلك حتى أواخر القرن 18.
عرف الخوارزمي الأعداد السلبية ووضعها في المعادلة كالأعداد الإيجابية: مضروبة في أعداد إيجابية وفي أعداد سلبية (ومقسومة، ومقسومة عليها) ومجموعة مع أعداد سلبية (ومطروحة، ومطروحة منها) كما وضع لذلك قواعده الخاصة.
وبهذه الطريقة أخرج الجبر من نطاق الأمثلة المفردة إلى نظام آلي ذي قواعد مقررة ثابتة: إذا حللتت بإحدى القواعد مسألة جبرية فإن جميع المسائل المشابهة لتلك المسألة تجري مجراها في الحل على تلك القاعدة. وبهذا أصبح الجبر عنده يضاهي الممارسة الجبرية بالمعنى المعاصر. لم يقتصر الخوارزمي في استخدام الجبر على حل المسائل الحسابية فحسب فكان أول من أدرك بوضوح تام إمكان حل نظرية هندسية بالطريقة التحليلية (حل جبري)، وهو أول من رفع الحل الجبري إلى مستوى الحل الهندسي في تطبيق المعادلة ذات الدرجة الثانية على المسائل الهندسية وقد أسس لمرحلة في تاريخ الرياضيات اتخذت فيها الطريقة التحليلية مكانة مساوية للطريقة الهندسية في حل المسائل الهندسية نفسها وهي تشبه الطريقة المدرسية المعاصرة.
لقد كان حدث تأليف كتاب الجبر والمقابلة بالغ الأهمية واعترف به المؤرخون القدامى المحدثون على السواء كما لم تخف أهمية هذا الكتاب على علماء ورياضيي تلك الحقبة إذ لم يتأخر الرياضيون حتى أثناء حياة الخوارزمي وأولئك الذين جاؤوا بعده في شرح وتفسير كتابه كعبد الحميد بن ترك وثابت بن قرة وسنان بن الفتح وأبو كامل شجاع بن أسلم لكن يبقى السؤال الكبير المطروح هو: لماذا يبدو علم الجبر بالغ النضج بطرائقه رغم أنه مولود جديد؟ وما هو السبب في أن هذه المساهمة التي توحي بأنها نتيجة وتتويج لنشاط سابق تبدو مع ذلك وكأنها بداية أصيلة؟ أما أن تكون معرفة الخوارزمي بالجبر كلها من مصادر هندية، فذلك مستحيل، لأن الهنود لم تكن عندهم قواعد تشبه قواعد الجبر والمقابلة ولم تكن من عادتهم جعل جميع حدود المعادلة حدودا إيجابية. وأما أنه أخد عن ديوفانطوس اليوناني، لكن هذا أمر مستبعد أيضا، لكون ديوفانطوس لم يدرك الجذرين (الإيجابي والسلبي) في المعادلة ذات الدرجة الثانية، بينما فعل الخوارزمي ذلك. كما رفض ديوفانطوس الحلول التخيلية.
من أجل ذلك يبدو علم الجبر كما جاء به الخوارزمي لم يكن هنديا خالصا ولا يونانيا خالصا، بل جمع فيه من العلم الهندي والعلم اليوناني وأضاف إليه أشياء جديدة مبتكرة هي التي جعلت منه علما جديدا ومستقلا وقائما بذاته.
كانت غاية الخوارزمي من تأليف كتاب الجبر والمقابلة غاية عملية خالصة وذلك لكي يستفيد منه الناس عامة في حياتهم اليومية مما يسهل عليهم معاملاتهم العامة والخاصة من مواريث ووصايا وغيرها. وقد أوضح هذا في بداية كتابه قائلا: "ألفت من كتاب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا حاصرا للطيف لحساب وجليله لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم وفي جميع ما يتعاملون ببينهم من مساحة الأرضين وكرى الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه".
وعند تصفحنا لكتاب الجبر والمقابلة، نجد أنه من الممكن تقسيمه إلى قسمين أساسيين، القسم الأول: وهو قسم نظري مخصص لإقامة حساب الجبر والمقابلة، أي إنشاء مفردات أولية ومفاهيم أساسية. والقسم الثاني: يتضمن الطرق المنتظمة التي تسمح بإعادة جميع مسائل العمليات الحسابية إلى أنواعها الجبرية الأساسية. وفي الأجزاء الأخيرة من هذا القسم تناول كيفية تطبيق هذا الحساب على المعاملات التجارية ومسح الأراضي والقياسات الهندسية والوصايات.